اسماعيل بن محمد القونوي
432
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
حملته ورواته لم يقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي فإذا أنكروه تهكم بهم وقيل لهم قد علمتم يا مكابرون أنه لم يكن مشاهدا لمن مضى من القرون الخالية انتهى أي قد علمتم ذلك فإذا أنكرتم لما أخبركم به فكأنكم أنكرتم عدم مشاهدته لهم فهذا إنكارا جلي البديهيات والمص لم يتعرض لبيان التهكم فإنه لا ينبغي لشأن التنزيل ما دام المساغ إلى غيره وهو كون المراد هنا إثبات النبوة ودفع شبههم بما هو ثابت عندهم بحيث لا مجال لإنكارهم ولزوم التهكم غير التزامه . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 103 ] وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) قوله : ( وما أكثر الناس ) لما بين تعالى أن النبأ المذكور من جملة المغيبات وإنه معجزة من المعجزات ومع ذلك أكثر الناس لا يؤمنون أخبر أن ذلك لعنادهم ولفساد استعدادهم فلا يغنيهم النذر والآيات فلا تحزن وإنما عليك البلاغ وقد أديت بأبهر البينات . قوله : ( ولو حرصت ) حرص من باب علم وضرب وكلاهما لغة فصيحة واختير هنا من باب ضرب وجملة ولو حرصت معترضة بين المبتدأ والخبر لإفادة أن حرصك على إيمانهم لا ينفع من هو مختوم القلوب ومنبع العيوب ولأن الهداية بيد اللّه يؤتيه من يشاء . قوله : ( على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات عليهم ) إشارة إلى معنى الحرص هنا وإنه ليس بمجرد فرط الرغبة بل مع إظهار المعجزات الداعية إلى الإيمان وفي الكشاف وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أراد أهل مكة والمص سكت عنه ميلا إلى العموم كقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [ الرعد : 1 ] فيدخل أهل مكة دخولا أوليا قيل روي أن اليهود وقريشا لما سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قصة يوسف وعدوا أن يسلموا فلما أخبرهم موافقة التورية فلم يسلموا حزن النبي عليه السّلام فقيل له ذلك انتهى وهذا مؤيد للعموم أيضا ولا يخفى أنه عليه السّلام كما لم يكن حاضرا حين عزمهم ومكرهم كذلك لم يحضر في سائر القصص أيضا لكن العزم المذكور والمكر المزبور لما كانا أصل الفتنة ومبدأ البلية خصا بالذكر وأيضا لما كان قبحهما أشنع وضرهما أكثر اكتفى بذكرهما وأما في سورة الهود فلا يوجد موجب التخصيص ولذا قيل ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ [ هود : 49 ] الآية ( لعنادهم وتصميمهم على الكفر ) . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 104 ] وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 104 ) قوله : ( أي على الإنباء ) الدال على الصدق والصفاء قدمه لكونه أقرب ذكرا . قوله : ( أو على القرآن ) أي على تبليغه وبيان أحكامه أو على تلاوته أو على نفسه مبالغة . قوله : ( من جعل كما يفعله حملة الأخبار ) وأجرة حتى من غرامة الأجرة زهدوا في اتباعك فما بالهم كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [ المدثر : 50 ، 51 ] فالمراد توبيخهم وتقبيح شأنهم .